السيد محمد باقر الصدر
566
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
لها معنى من وجهة نظر المنطق الوضعي ، وإن كانت تتّصل بعالم الطبيعة . فالقضية القائلة : « إنّ الوجه الآخر للقمر الذي لا يقابل الأرض زاخر بالجبال والوديان » غير محقّقة فعلًا ، إذ لا نملك في الوقت الحاضر الإمكانات التجريبية لاستكشاف صدق هذه القضية ، رغم أنّها تتحدّث عن الطبيعة . ولا يمكن أن تعتبر أمثال هذه القضية خاوية لا معنى لها ، مع أنّنا نعلم جميعاً : أنّ العلم كثيراً ما يطرح قضايا من هذا القبيل على صعيد البحث قبل أن يملك التجربة الحاسمة بصددها ، ويظلّ يبحث عن ضوء يعينه على تحقيقها حتّى يجده في نهاية المطاف ، أو يعجز عن الظفر به ، فلماذا كلّ هذا الجهد العلمي لو كانت كلّ قضية لا تحمل بيدها دليل صدقها أو كذبها من الخبرة الحسّية ، خواءً ولغواً من القول ؟ ! وأمّا الافتراض الثاني فهو يسمح لتلك القضية التي تتحدّث عن الوجه الآخر من القمر أن يكون لها معنى ؛ لأنّ تحقيقها في الخبرة الحسّية ممكن من الناحية المنطقية ، ولكن يجب أن ندرس هذا الإمكان نفسه ، لنعرف كيف يتاح لنا التأكيد على أنّ القضايا التي لم تحقّق فعلًا بالإمكان تحقيقها ؟ فما دام إمكان التحقيق شرطاً أساسياً في تكوين معنى القضية ، فلكي نعرف أنّ للقضية معنى يجب أن نعرف إمكان تحقيقها ، فهل هناك من سبيل لمعرفة إمكان تحقيق القضية سوى تحقيقها فعلًا ؟ فإن سلّم المنطق الوضعي بأ نّا نتعرّف على إمكان تحقيق القضية عن غير طريق تحقيقها في الخبرة الحسّية فعلًا ، فهذا يعني تسليمه بمعرفة مستقلّة عن الخبرة والتجربة ، وبذلك يفقد المنطق الوضعي قاعدته الرئيسية . وإذا أنكر المنطق الوضعي أيّ سبيل للتعرّف على إمكان تحقيق القضية سوى تحقيقها فعلًا ، أدّى ذلك إلى أنّ القضية التي تتحدّث عن الوجه الآخر للقمر لا يمكن اعتبارها قضية ذات معنى ما لم تحقّق فعلًا ؛ لأنّ كونها ذات معنى مرتبط